Saturday, December 6, 2014

قراءة المأموم خلف إمامه


 صورة المسألة:
المأموم لا يقرأ الفاتحة، ولا غيرها خلف الإمام في الصلاة الجهرية أو السرية ([1]).
مصطلحات:
الصلاة الجهرية: الذي يجهر فيها الإمام بالقراءة؛ وهي الصبح والمغرب والعشاء والجمعة والعيدين.
الصلاة السرية: الذي يسر فيها الإمام بالقراءة؛ وهي الظهر والعصر.
الإنصات: السكوت للاستماع، ويكون الاستماع إما لصوت الإنسان، أو الحيوان، أو الجماد([2]).
الاستماع: قصد السماع لفهم المسموع أو الاستفادة منه. ولا يكون استماعا إلا إذا توفر فيه القصد، أما السماع فإنه قد يكون بقصد، أو بدون قصد ([3]).
المقتدي: من يتبع الإمام في أفعال الصلاة ([4]).
الإمام: من يتبعه الناس في صلاتهم كلها أو جزء منها ([5]).
محل الخلاف
لاخلاف في وجوب قراءة الإمام واختلفوا في قراءة المأموم فقال أبو حنيفة: المأموم لا يقرأ خلف الإمام في الصلاة الجهرية أو السرية. وقال مالك: قراءة المأموم خلف الإمام مندوبة في السرية مكروهة في الجهرية. وقال الشافعي: يفترض على المأموم قراءة الفاتحة خلف الإمام إلا أن يدرك الإمام في الركوع فتسقط أو يدرك وقتا لا يكفي لقراءتها فيجزئه قراءة ما أمكن ويسقط الباقي([6]).
الأدلة
دليل مالك:
ما روي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما، -أن رجلا سأله: أأقرأ خلف الإمام؟! فقال له: أما في الظهر والعصر فنعم ([7]).
دليل الشافعي:
ما رواه عبادة بن الصامت -رضي الله عنه -أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب([8])». وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم: -«لا صلاة إلا بقراءة» وبحديث «عبادة بن الصامت -رضي الله عنه -قال: صلينا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم -صلاة الصبح فلما فرغ قال: «لعلكم تقرؤون خلفي»، فقلنا: نعم، فقال: «لا تقرؤوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة إلا بها، وفي رواية لا صلاة لمن لم يقرأها ([9])».            
توجيه الدليل: المعنى فيه أن القراءة ركن من أركان الصلاة، فلا تسقط بسبب الاقتداء عند الاختيار كالركوع والسجود، بخلاف ما إذا أدرك الإمام في الركوع؛ لأن تلك الحالة حالة الضرورة، فإنه يخاف فوت الركعة بسبب الضرورة قد تسقط بعض الأركان، ألا ترى أن القيام بعد التكبير ركن، وقد يسقط هذا للضرورة ([10]).
دليل أبي حنيفة:
من الكتاب: قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ([11])}
توجيه الدليل: أمر بالاستماع والإنصات، والاستماع وإن لم يكن ممكنا عند المخافتة بالقراءة فالإنصات ممكن فيجب بظاهر النص، وعن أبي بن كعب -رضي الله عنه -أنه لما نزلت هذه الآية تركوا القراءة خلف الإمام، وإمامهم كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم -فالظاهر أنه كان بأمره([12]).
من السنة: بالحديث المشهور: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا».
وبقوله صلى الله عليه وسلم: -«من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة([13])».
ووجه الاستدلال: أن  الحديث أمر بالسكوت عند قراءة الإمام.
من المعقول: لو كانت القراءة من الأركان في حق المقتدي لما سقطت بعذر.
والقراءة غير مقصودة لعينها بل للتدبر والتفكر والعمل به قال ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه -«أنزل القرآن ليعمل به»، وحصول هذا المقصود عند قراءة الإمام وسماع القوم، فإذا اشتغل كل واحد منهم بالقراءة لا يتم هذا المقصود، وهذا نظير الخطبة فالمقصود منها الوعظ والتدبر، وذلك بأن يخطب الإمام ويستمع القوم لا أن يخطب كل واحد منهم لنفسه.
إذا أدرك المقتدي الإمام في حالة الركوع، فإن خاف فوت الركعة سقط عنه فرض القراءة ([14]) عند من قال بالفرضية.
مناقشة الأدلة قوله صلى الله عليه وسلم: -«لا صلاة بدون قراءة» فصلاة المقتدي هي صلاة بقراءة وهي قراءة الإمام؛ فإن قراءة الإمام قراءة للمأموم ولا حجة لهم في الحديث، فإنه بقراءة الإمام تصير صلاة القوم بقراءة، كما أن بخطبة الإمام تصير صلاتهم جميعا بالخطبة.
وأما حديث عبادة بن الصامت -رضي الله تعالى عنه -يحمل على أنه كان ركنا في الابتداء، ثم منعهم عن القراءة خلفه بعد ذلك.




[1] . المبسوط للسرخسي (1/199)، اللباب في شرح الكتاب (1/78)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (1/110)، الاختيار لتعليل المختار (1/50)، البناية شرح الهداية (2/313).
[2] . الموسوعة الفقهية الكويتية (4/85)
[3] . الموسوعة الفقهية الكويتية (4/85).
[4] . الموسوعة الفقهية الكويتية (6/ 18).
[5] . الموسوعة الفقهية الكويتية (6/ 201).
[6] . المبسوط للسرخسي (1/199)، اللباب في شرح الكتاب (1/78)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (1/110)، الاختيار لتعليل المختار (1/50)، البناية شرح الهداية (2/313)، التاج والإكليل لمختصر خليل (2/239)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (1/536)، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (1/204)، المجموع شرح المهذب (3/364)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (1/241)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (1/476).
[7] . المبسوط للسرخسي (1/199).
[8] . أخرجه البخاري (2 /236ـ 237 ط السلفية) ومسلم (1 /295 ط عيسى البابي الحلبي)
[9] . رواه الترمذي وحسنه، وصححه البيهقي والخطابي وغيرهم. ورواه أحمد، وأبو داود، وابن حبان.
[10] . المبسوط للسرخسي (1/199)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (1/110)، المجموع شرح المهذب (3/364).
[11] . [الأعراف: 204].
[12] . المبسوط للسرخسي (1/199)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (1/110).
[13] . « بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (1/111).
[14] .المبسوط للسرخسي (1/199).

Friday, December 5, 2014

محاذاة المرأة لمصلي مشترك معها في الصلاة

صورة المسألة:
محاذاة المرأة للمصلي تفسد صلاته؛ فتفسد صلاة واحد عن يمينها وصلاة واحد عن يسارها وصلاة واحد خلفها بحذائها. لكن بشروط تسعة:
(1)كون المرأة مشتهاة ولو كانت محرما للرجل أو زوجة له.
(2)كون المحاذاة بالساق والكعب في الأصح وفي الدر: المعتبر المحاذاة بعضو واحد.
(3)كون المحاذاة في أداء ركن عند محمد وهو ما اختاره ابن الهمام في الفتح وجزم به الحلبي أو قدره عند أبي يوسف، وفي الخانية: إن قليل المحاذاة وكثيرها مفسد ونسب إلى أبي يوسف.
(4)كون المحاذاة في صلاة مطلقة ولو بالإيماء، فلا تبطل صلاة الجنازة إذ لا سجود لها، فهي ليست بصلاة حقيقية وإنما هي دعاء للميت.
(5)كون المحاذاة في صلاة مشتركة من حيث التحريمة وذلك باقتداء المصلي والمرأة بإمام أو
اقتدائها به.
(6)كون المحاذاة في مكان متحد ولو حكما، فلو اختلف المكان بأن كانت المرأة على مكان عال
بحيث لا يحاذي شيء منه شيئا منها لا تفسد الصلاة.
(7)كون المحاذاة بلا حائل قدر ذراع في غلظ أصبع، أو فرجة تسع رجلا.
(8)عدم إشارة المصلي إليها لتتأخر عنه فإن لم تتأخر بإشاراته فسدت صلاتها لا صلاته ولا
يكلف بالتقدم عنها لكراهته.
(9)أن يكون الإمام قد نوى إمامتها فإن لم ينوها لا تكون في الصلاة فانتفت المحاذاة ([1]).
محل الخلاف:
يستحب في الصلاة تأخير النساء عن الرجال وفي محاذاتهن للرجال خلاف؛ فقال أبو حنيفة تفسد صلاة من حاذته المرأة وعند مالك والشافعي تكره ([2]).

دليل أبي حنيفة: مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ ([3])» عَقِيبَ قَوْلِهِ «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا».
وجه الاستدلال:  الِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِالتَّأْخِيرِ صَارَ التَّأْخِيرُ فَرْضًا مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ فَيَصِيرُ بِتَرْكِهِ التَّأْخِيرَ تَارِكًا فَرْضًا مِنْ فَرَائِضِهَا فَتَفْسُدُ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّأْخِيرِ أَمْرٌ بِالتَّقَدُّمِ عَلَيْهَا ضَرُورَةً فَإِذَا لَمْ تُؤَخَّرْ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فَقَدْ قَامَ مَقَامًا لَيْسَ بِمَقَامٍ لَهُ فَتَفْسُدُ كَمَا إذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ، وَالْحَدِيثُ وَرَدَ فِي صَلَاةِ مُطْلَقَةٍ مُشْتَرَكَةٍ فَبَقِيَ غَيْرُهَا عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ.
مناقشة الأدلة
ورد على دليل أبي حنيفة أن هذا الحديث يثبت الكراهة ولا يلزم منه الفساد اعتبارا بصلاة المرأة حيث لا تفسد؛ لأنهما مشتركين. فكيف تفسد صلاة أحدهما دون الآخر؟!!
قلنا: إِنَّمَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّ خِطَابَ التَّأْخِيرِ يَتَنَاوَلُ الرَّجُلَ وَيُمْكِنُهُ تَأْخِيرُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَأَخَّرَ هِيَ بِنَفْسِهَا وَيَتَقَدَّمَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَكُنْ التَّأْخِيرُ فَرْضًا عَلَيْهَا فَتَرْكُهُ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا ([4]).
الترجيح بعد النظر في المسألة وأقوال الفقهاء فيها وأدلة كل فريق مع مناقشة الأدلة وترجيح عامة الفقهاء تبين لنا رجحان مذهب الإمام أبي حنيفة.





[1] .انظر:  مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: 122). تحفة الفقهاء (1/ 228)، المبسوط للسرخسي (1/ 183)، الهداية في شرح بداية المبتدي (1/ 57)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (1/ 425)، الاختيار لتعليل المختار (1/ 58)، العناية شرح الهداية (1/ 360)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (1/ 375)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/ 110)، الذخيرة للقرافي (2/ 263)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (1/ 155)، المجموع شرح المهذب (3/ 252).
[2] . انظر:  تحفة الفقهاء (1/ 228)، المبسوط للسرخسي (1/ 183)، الهداية في شرح بداية المبتدي (1/ 57)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (1/ 425)، الاختيار لتعليل المختار (1/ 58)، العناية شرح الهداية (1/ 360)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (1/ 375)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/ 110)، مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: 122).  الذخيرة للقرافي (2/ 263)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (1/ 155)، المجموع شرح المهذب (3/ 252).
[3] . « حديث: " أخروهن من حيث أخرهن الله. . . " من حديث ابن مسعود موقوفا عليه. أخرجه عبد الرزاق (3 / 149 - ط المكتب الإسلامي) وصححه ابن حجر في الفتح (1 / 400 - ط السلفية)».
[4] . البناية شرح الهداية (2/ 350(.تحفة الفقهاء (1/ 228)، المبسوط للسرخسي (1/ 183)، الهداية في شرح بداية المبتدي (1/ 57)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (1/ 425)، الاختيار لتعليل المختار (1/ 58)، العناية شرح الهداية (1/ 360)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (1/ 375)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/ 110)، مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: 122).

Sunday, September 1, 2013

مبحث الإيمان وعقيدة المسلم

عقيدة المسلم(1) أركانها: الإيمان بالله، وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.

ويمكن أن ترد الأركان الستة إلى ثلاثة:

  1. (الإلهيات) وتتمثل في الإيمان بالله.
  2. (النبوات) وتتمثل في الإيمان بالرسل.
  3. (السمعيات) وتتمثل في الإيمان بالملائكة والكتب واليوم الآخر والقدر.

وسوف تقرأ في هذا المبحث:
1. مقدمة في العقائد وبها عدة نقاط:
  • الأولى: حقيقة الإيمان.
  • الثانية: التقليد ومرتبته في العقيدة الإسلامية.
  • الثالثة: أسباب العلم.
2. الفصل الأول (الإلهيات) وبه ثلاثة أبواب:
  • الباب الأول في إثبات وجود الله تعالى
  • الباب الثاني في صفاته تعالى
  • الباب الثالث في أسمائه تعالى
3. الفصل الثاني (النبوات) وبه ثلاثة أبواب:
  • الباب الأول في طبيعة الرسل وصفاتهم.
  • الباب الثاني في إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم.
  • الباب الثالث في الرد على منكري النبوة.
4. الفصل الثالث: (السمعيات) وبه ثلاثة أبواب:
  • الباب الأول في الملائكة والجن.
  • الباب الثاني في القضاء والقدر.
  • الباب الثالث في أحوال اليوم الآخر.

-----------------------------------

  1. العقيــــدة لغة:التوثيق والإبرام، سواء كان ذلك فى الجانب الحسى : أو الجوانب المعنوي[المصباح المنير، مادة :عقد، و لسان العرب، لابن منظور].  واصطلاحا: كلمة (عقيدة) تتسع فى المحيط الإسلامى لتدل على "فعل الاعتقاد" نفسه حينا، ولتدل على " محتوى الاعتقاد وموضوعاته " حينا، ولتدل على (العلم) الذى يتكفل ببيان الأمرين جميعا حينا آخر.  فيما يتعلق "بفعل الاعتقاد" نفسه فإن الاعتقاد الصحيح يجب أن يكون مصحوبا بالجزم والتيقن والإذعان، وأن يتخلص من شوائب "الظن " الذى يعنى التردد بين طرفين، ثم الميل إلى الطرف الراجح منهما، ومن شوائب "الشك " الذى يعنى التردد بين طرفين، دون ميل إلى أحدهما، ومن شوائب "الوهم " الذى يعنى أيضا التردد بين طرفين، ثم الميل إلى الطرف المرجوح منهما [السنوسى: شرح الكبرى، وأيضا: شرح العقائد النسفية] .

حقيقة الإيمان

المبحث الأول:  الإيمان وعقيدة المسلم

 مقدمة الإيمان وعقيدة(1) المسلم

أولا: حقيقة الإيمان

  • تعريف الإيمان

    التصديق بالله، والملائكة، والكتب السماوية، والرسل الكرام، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وجميع ما جاء به الرسول(2)، تصديقًا جازمًا؛ هو الإيمان(3).
      • الإيمان الكامل
      التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان هو الإيمان الكامل(4)؛ قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4).[الأنفال:2-4]}. والعاصي المؤمن إن شاء الله عذبه وإن شاء عفا عنه.

      والتصديق بالقلب ركن الإيمان، وثمرته: يمنع صاحبه من الخلود في النار. قال صلى الله عليه وسلم -فيما أخبر عن رب العزة -: «انظروا من وجدتم في قلبه مثقال حبّّة من خردل من إيمان فأخـــــرجوه-أي من النار (5) ».
      والإقرار باللسان علامة وجود الإيمان، وثمرته: أن يعامل معاملة المسلمين: كالزواج والميراث، والصلاة خلفه، وعليه، والدفن في مقابر المسلمين. 
      أما من صدَّق بقلبه ولم ينطق بالشهادتين- بغير عذر -فهو مؤمن عند الله فقط ولا يعامل معاملة المسلمين.
      وولد المسلم إذا بلغ ولم يثبت عليه فعل ينفي الإسلام؛ يعامل معاملة المسلمين وإن لم يتلفظ بالشهادتين.
      والعمل بالأركان علامة كمال الإيمان(7)، وثمرته: استحقاق الدرجات العلى؛ قال تعالى: {قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون(2)والذين هم عن اللغو معرضون(3)والذين هم للزكاة فاعلون(4)والذين هم لفروجهم حافظون(5)إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين(6)فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون(7)والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون(8) والذين هم على صلواتهم يحافظون(9).[المؤمنون]}.

      • مسائل مترتبة على مفهوم الإيمان شرعًا:

      1. التصديق بالقلب دون النطق بالشهادتين استعلاءً أو جحودًا لا يكون إيمانًا شرعيًا؛ كإيمان إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون به سراً وجهراً، ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به.
      2. التصديق بالقلب دون النطق بالشهادتين خوفًا من عدو أو هلاك يكون إيمانًا شرعيًا؛ كإيمان عمار بن ياسر.
      3. التصديق بالقلب دون العمل بالعبادات استعلاءً وجحودًا لا يكون إيمانًا شرعيًا؛ كمانعي الزكاة في عهد أبي بكر الصديق ؤضي الله عنه فكانو مؤمنين بكل ما جاء به النبي ولكنهم جحدوا بعبادة الزكاة.
      4. التصديق بالقلب دون العمل بالعبادات عصيانًا يكون إيمانًا شرعيًا ناقصًا.
      5. عدم التصديق بالقلب والنطق بالشهادتين نفاق يخلد صاحبه في النار ويعامل معاملة المسلمين.
      • أركان الإيمان
      1. الإيمان بالله؛ وهو: التصديق بالله تعالى ربًّا وإلهًا ومعبودًا واحدًا لا شريك له، والإيمان بأسمائه وصفاته التي وردت في القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية المتواترة من غير تحريف لمعانيها أو تشبيه بصفات خلقه أو تكييف أو تعطيل لها. والإيمان بالله يكون من خلال التدبر في الكتاب المنظور (الكون)، والكتاب المسطور(القرآن). قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: 53] }

      2. الإيمان بالملائكة؛ وهو: التصديق التام بأن الله خلق الملائكة من النور، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، وأنهم قائمون بوظائفهم التي أمرهم الله بها. قال تعالى:{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ[البقرة: 177]} ومنهم: «جبريل» ومهمته: إبلاغ الوحي، و«ميكائيل» ومهمته: إنزال المطر وإنبات النبات، و«‎إسرافيل» ومهمته: النفخ في الصور يوم القيامة، و«ملك الموت» ومهمته قبض الأرواح وله أعوان من الملائكة، و«رضوان»ومهمته ‏خازن باب الجنة، و«مالك»ومهمته ‏خازن باب النار، و«الزبانية» وهم تسعة عشر ومهمتهم تعذيب أهل النار، و«حملة العرش»، و«الحفظة» ومهمتهم: حفظ الإنسان، و«الكرام الكاتبون» ومهمتهم: كتابة أعمال البشر وإحصاؤها عليهم فعلى يمين كل عبد مكلف ملك يكتب صالح أعماله وعن يساره ملك يكتب سيئات أعماله‎‏.

      3. الإيمان بالكتب السماوية؛ وهو: التصديق التام بالكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله ما سماه الله تعالى في القرآن الكريم وما لم يسم، قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: 18، 19]}  ونذكر فيما يلي الكتب التي سماها الله عز وجل في كتابه العزيز:«صحف إبراهيم»، «التوراة»، «الإنجيل»، «الزبور»،  «القرآن»؛ فـ«الصحف» لسيدنا إبراهيم، و«التوراة» لسيدنا موسى، و«الزبور» لسيدنا داود، و«الإنجيل» لسيدنا عيسى، و«القرآن» لسيدنا محمد.

      4. الإيمان بالرسل؛ وهو: التصديق التام بأن الله عز وجل اصطفى من خلقه أنبياء ورسلا لا يعلم عددهم وأسماءهم إلا الله تعالى. ولقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم خمسة وعشرين من الأنبياء والرسل؛ وهم: سيدنا «آدم»، وسيدنا «نوح»، وسيدنا «ادريس»، وسيدنا «صالح»، وسيدنا «إبراهيم»، وسيدنا «هود»، وسيدنا «لوط»، وسيدنا «يونس»، وسيدنا «إسماعيل»، وسيدنا «اسحاق»، وسيدنا «يعقوب»، وسيدنا «يوسف»، وسيدنا «أيوب»، وسيدنا «شعيب»، وسيدنا «موسى»، وسيدنا «هارون»، وسيدنا «اليسع»، وسيدنا «ذوالكفل»، وسيدنا «داود»، وسيدنا «سليمان»، وسيدنا «إلياس»،وسيدنا «زكريا»، وسيدنا «يحيى»، وسيدنا «عيسى»، وسيدنا «محمد» صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فهؤلاء الرسل والأنبياء يجب الإيمان برسالتهم ونبوتهم.

      5. الإيمان باليوم الآخر؛ وهو الإيمان التام بما أخبرنا به الله عز وجل ورسولُه بعد الموت؛ من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، والبعث، والحشر، والصحف، والحساب والميزان، والحوض، والصراط، والشفاعة، والجنة، والنار، وما أعد الله لأهلهما.

      6. الإيمان بالقدر خيره وشره؛ وهو الإيمان التام بأن الخالق لكل شيء هو الله تعالى؛ وأن أعمال العباد من خير هي بتقدير الله تعالى ومحبته ورضاه، وأما أعمال العباد من شر فهي كذلك بتقدير الله ولكن ليست بمحبته ولا برضاه.  

      ------------------------------------------------------------------------------

      1. العقيــــدة لغة:التوثيق والإبرام، سواء كان ذلك فى الجانب الحسى : أو الجوانب المعنوي[المصباح المنير، مادة :عقد، و لسان العرب، لابن منظور].  واصطلاحا: كلمة (عقيدة) تتسع فى المحيط الإسلامى لتدل على "فعل الاعتقاد" نفسه حينا، ولتدل على " محتوى الاعتقاد وموضوعاته " حينا، ولتدل على (العلم) الذى يتكفل ببيان الأمرين جميعا حينا آخر.  فيما يتعلق "بفعل الاعتقاد" نفسه فإن الاعتقاد الصحيح يجب أن يكون مصحوبا بالجزم والتيقن والإذعان، وأن يتخلص من شوائب "الظن " الذى يعنى التردد بين طرفين، ثم الميل إلى الطرف الراجح منهما، ومن شوائب "الشك " الذى يعنى التردد بين طرفين، دون ميل إلى أحدهما، ومن شوائب "الوهم " الذى يعنى أيضا التردد بين طرفين، ثم الميل إلى الطرف المرجوح منهما [السنوسى: شرح الكبرى، وأيضا: شرح العقائد النسفية] .  
      2. المراد بــ«جميع ما جاء به الرسول» أي الذي عُلم من الدين بالضرورة، تفصيلا فيما علم تفصيلا، وإجمالا فيما علم إجمالا. ومعنى «ما علم من الدين بالضرورة»: ما يعلمه جميع المسلمين من غير افتقار إلى نظر واستدلال، كوحدانية الله تعالى، ونبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ووجوب الصلاة والزكاة. ومعنى «تفصيلا فيما علم تفصيلا» إلى آخره، فهو إشارة إلى أنه يشترط التفصيل فيما علم مجيئه مفصلا كجبريل وميكائيل وموسى وعيسى والتوراة والإنجيل، حتى أنّ من لم يصدق بواحد معيّن من ذلك كان كافرا، وأنه يكفي الإجمال فيما كان مجملا كالرسل الذين لم يقصصهم الله لنا في كتابه مفصلا؛ قال تعالى: [ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك] فإن الاعتقاد المجمل في الرسل كاف في ذلك.
      3. أما العمل فهو شرط كمال؛ قال الإمام محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني: «والإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب، والعمل بالأركان»وقال الإمام البغوي: «اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان.. وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة».وقال الحافظ ابن عبد البر: «أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية). (قال الإمام الشافعي في (كتاب الأم).. وكان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم ممن أدركنا: أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر). وروى الإمام اللالكائي عن الإمام البخاري قوله: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.
      4.  حاشية البيجوري على الجوهرة ص/ 92، ط/ دار السلام؛ وهذا الإيمان في الشرع، والإيمان لغة: مطلق التصديق وضده الكفر. (مختار الصحاح [ص 15] و [ص 272])
      5.  رواه مسلم في الإيمان عن أبي سعيد الخدري 1/172
      6. «تبصرة الأدلة» لأبي المعين النسفي(ق-346/أ)، وانظر كتاب «التوحيد» للماتريدي (ص373-377)، و«العمدة» لحافظ الدين النسفي (17/أ)، و«البداية» للصابوني (ص152)؛ و«شرح العقائد النسفية» (ص119-123)، و«شرح المقاصد»(5/2176) كلاهما للتفتازاني، وانظر «الطوائع» (ص373، 374). و«التمهيد» للباقلاني(ص99، 100).